المقريزي
122
المقفى الكبير
بعدي : لا أحسن اللّه له الصحابة ! ألا وإنّي معجّل لكم الإجابة : لا أحسن اللّه عليكم الخلافة ! ثمّ نزل . وكان يقول : أيّها الناس ، إنّ الكفّ عن محارم اللّه أيسر من الصبر على عذاب اللّه . وقال عتبة بن عبد الرحمن بن الحارث : ما رأيت عقول الناس إلّا قريبا بعضها من بعض إلّا ما كان من الحجّاج بن يوسف ، وإياس بن معاوية ، فإنّ عقولهما كانت ترجح على عقول الناس كثيرا . وضرب الحجّاج أعناق أسرى ، فلمّا قدّم رجل لضرب عنقه ، قال : واللّه لئن كنّا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو ! فقال الحجّاج : أفّ لهذه الجيف ! أما كان فيها أحد يحسن مثل هذا الكلام ؟ وأمسك عن القتل « 1 » . ولمّا بلغه موت أسماء بن خارجة قال : هل سمعتم بالذي عاش ما شاء ، ومات حين شاء ؟ وقال : ليت اللّه إذ خلقنا للآخرة كفانا أمر الدنيا ، فرفع عنّا الهمّ بالمأكل والملبس والمنكح ! أو ليته إذ أوقعنا في هذه الدار هنّأنا أمر الآخرة فرفع عنّا الاهتمام بما ينجي من عذابه ! فبلغ قوله عليّ بن الحسين فقال : ما عمل في التمنّي شيئا ، ما اختاره اللّه خير . وخطب الوليد بن عبد الملك « 2 » فقال : إنّ أمير المؤمنين عبد الملك يقول : إنّ الحجّاج جلدة ما بين عينيّ ، ألا إنّه جلدة وجهي كلّه ! ويقال : إنّ عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجّاج وهو على المدينة أن فد عليّ ، وفد معك بمائة رجل من وجوه الناس . فوفد بيحيى بن طلحة « 3 » بن عبيد اللّه وحده ، فخرج الحاجب فقال : أين الحجّاج ؟ فدخل على أنّ الوفد [ . . . ] « 4 » ، فقام يحيى وحده ، فقال عبد الملك : فأين المائة ؟ فقال [ الحجّاج ] : هو [ 331 أ ] يعدلها يا أمير المؤمنين « 5 » . ( قال يحيى ) : فلمّا رأيت مكاني من عبد الملك قلت في نفسي : واللّه إنّه ينبغي أن أنصح له ، عسى اللّه أن يريحنا من الحجّاج . فقلت : إنّ لي حاجة يا أمير المؤمنين ، فأخلني . قال : ومن أبي محمّد ؟ قلت : نعم . فقال له : قم . فقام وهو يقول [ الطويل ] : كمكتفل كفلا وفي الكفل عقرب فقلت : يا أمير المؤمنين ، واللّه ما يسعني إلّا نصيحتك ، اعلم أنّك استعملت على بيضتك وعشيرتك أخبث الناس سرّا وعلانية . فقال : وصلك اللّه وأدّى عنك الحقّ . انصرف . فقمت . فأرسلت إلى مولى لي كان ذا رأي فقلت : اعلم أنّي وقعت في أمر عظيم ، فأخبرته الخبر فقال : بئس واللّه ما تعرّضت من خليفتك وعاملك !
--> ( 1 ) العقد 2 / 174 . ( 2 ) في المخطوط : ابن عبد اللّه . ( 3 ) في سرح العيون لابن نباته ( نشر محمد أبو الفضل ) 174 ؛ هو إبراهيم بن طلحة . ( 4 ) كلام مبتور . ( 5 ) في العقد 2 / 79 : قدمت عليك برجل الحجاز ، لم أدع له بها نظيرا . . .